Being a Muslim 1

تقديم

ما زلت أتذكر أول مقابلة لي مع إسين سليك في الكلية. كانت بعد عدة سنين من الهجوم الإرهابي الذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر. هذا الحدث المأساوي أثار مشاعر وإنفعالات متعددة في الطلاب و الكثيرون توقعوا حدوث صدع في العلاقة بين الطلاب المسلمين و بين الطلاب المنتمين للأديان الأخرى. وفي إطار رأب الصدع و تعزيز الحوار بين الأديان شكلت مجموعة من الطلبة المسلمين و الكاثوليكيين إجتماعات للحوار. و لقد بدأنا أولا بمقابلات دورية منتظمة للتعرف على عقائد كل منا و تجربتنا الشخصية مع الإله الذي نعبده جميعا.

و لما دعيت لهذه الجماعة لم يكن عندي أي معلومات موضوعية عن الإسلام و لهذا لم يكن عندي أي توقعات مسبقة عما سوف أتعلمه. و لهذا فقد دهشت حال تحققي من وجود تشابه بين الفكر الإسلامي و الفكر الكاثوليكي. إنه لحق شيء جليل أن هناك الكثير من المسلمين و الكاثوليكيين حول العالم يعبدون إله واحد و أن وصفهم له متشابه لحد كبير رغم و جود بعض الإختلافات. و قد تأثرت تأثرا عميقا بالحب و الإخلاص و التواضع الذي أظهره زملائي الطلاب المسلمين خلال ممارساتهم للعبادات الإسلامية.

ومن ضمن من تعرفت عليهم عن قرب من خلال هذه المجموعة التي ضمت أشخاص من عدة أديان كانت إسين. و قد جذبني فكرها المنطقي العقلاني و بهجتها بعلاقتها مع خالقها. وقد تقابلت معها كثيرا لتبادل الحديث أثناء شربنا للشاي و كل مرة كنت أنصرف مقتنعا أن الله كشف لي عن بعض الحقائق المهمة من خلال محادثتنا.

و لهذا فقراءة هذا الكتاب بمثابة الجلوس مع إسين حول براد من الشاي. إن كتابها هذا يندرج تحت مصنف خاص به وحده لأنه ليس تلخيص أكاديمي للفكر الإسلامي و ليس محاولة لأسلمة الآخرين. فبدلا من هذا نجد إسين تشارك جواهر الحكم التي إستخرجتها من التقاليد الإسلامية مع القراء بغض النظر عن خلفياتهم المختلفة.

و أملي ألا يركز القراء علي الإختلافات الفكرية بين عقيدتهم و بين العقيدة الإسلامية فمن الأفضل أن يفتحوا قلوبهم للرسالة العالمية لهذا الكتاب ألا و هي رسالة الحب و التسليم لله.

كارل  كورادو

إنديانا بوليس في أغسطس 2010

الفصل الأول

مقدمة

“عندما أصبحت مسلما تعلمت كيف أصلي كمسلم. تعلمت الرطانة العربية ولكنني لم أتعلم كيف أفكر و كيف أشعر كمسلم حقيقي. و كنت أعتقد أنه حدث لي تحول عملي منذ أربع سنوات حينما إعتنقت الإسلام و لكني تحققت أثناء إعتكافي أن هذا لم يحدث جزريا و أنني ما زلت أفكر بالعقل العلماني الذي إعتدت عليه. فليس معنى أن أكون مسلما أن أتعرب أو أن أتعلم الطقوس الذي يجب علي فعلها و ما لا يجب علي فعله……” إليجا راينولد من جامعة إنديانا.

لست كإليجا أعتنقت الإسلام لاحقا و لكني ولدت لأسرة مسلمة بتركيا و كنت المولودة الرابعة لأبواي. وقد سعى والدي لتربيتنا على القيم التي ترتكز على مورث الثقافة التركية ومتطلبات طبقتهم الإجتماعية و في بعض الأحيان ترتكزأيضا على الدين.

و لكن هذا الحرص على غرس الإسلام في أطفالهم كان في كثير من الأحيان يتضاءل في الأهمية بالمقارنة بإهتمامهم بأي مدرسة سنلتحق و أي لغات سوف نتعلم. و أتذكر الآن مناقشة دارت بيني و بين أمي حول منعي من مواعدة أصدقاء من الجنس الآخر عندما كنت في المدرسة الإعدادية بالرغم أن إخوتي الذكور كان مسموحا لهم بمواعدة البنات كيفما شاءوا. وجاءت إجابة أمي غير شافية و محبطة: إن مجتمعنا يتقبل فكرة أن يصادق الرجل ولا يؤثر هذا على سمعته و لكن إذا قامت البنت بمواعدة رجل فإن هذا يسيء إلى سمعتها بين الناس. و للقارئ أن يتخيل كيف أن هذا المبرر يبدو غير منطقي بالمرة لفتاة في الثلاثة عشرة من عمرها. ولهذا فمن المؤكد أنه لم يكن يمر وقت طويل حتى أستطيع دحض أي مبرر يعطيه أبواي أثناء المناقشات يرتكز على العادات الإجتماعية التي كانوا يتمنون أن أحافظ عليها. و على هذا فقد يئسوا أخيرا وفرضت أنا إرادتي الفردية ضد هشاشة موروثهم الثقافي.  لقد كنت وقتئذ من السذاجة لأشعر بلإنتصار على إرادة والداي و حسن نواياهم و جهودهم لمنعي من الغرق. من جهاتهم كانوا يفعلون ما بوسعهم لفعل ما يعتقدون أنه الصواب طبقا لميراثهم الثقافي ووالوضع المتردي لمجتمعنا.

وعلى غير المتوقع بعد سنوات عدة إستطعت إكتشاف الحقائق التي أحتجبت خلف هذه العادات الإجتماعية عندما كنت في ولاية بنسلفانيا. حدث هذا حينما كنت أدرس في كلية الآداب عندما كنت أمر بمرحلة حقيقية للبحث عن ذاتي بدلا من محاولة فهمهم هم وتقاليدهم. هذا لانه فقط عندما تصبح كالسمكة خارج الشبكة فإنك تصبح على إستعداد للتفكر في ذاتك و ماذا تعني الشبكة لك. فبعد سنوات من البحث عما يحقق لي السعادة الداخلية حدث لي نوع من التجلي الداخلي للحقائق. لا لم يحدث هذا في المنام و لو كان حدث لكان أقل إلاما عما حدث بالفعل. حدث لي هذا التجلي أتناء تجربة شعورية مؤلمة جدا لأي أنسان في مرحلة المراهقة. كانت تجربة محطمة للقلب عندما فجأة تحطم عالمي المتخيل ووجدت نفسي لأول مرة أبحث عن الله. في الواقع لم أعني أن أبحث عن الله بالفعل و لكني كنت أبحث عن معنى ما أو عن شيء ما من الممكن أن يمحوا الألم الذي أصطحب فقداني للشعورالفقاعي الباطل بالأمان في الحياة فلم أكن بعد تحققت أنه ليس هناك أي ضمان لتحقيق أي خطة نضعها لأنفسنا. و رغم هذه الحقيقة فإننا عادة ما نقنع أنفسنا أن مخططنا سوف يتحقق. وحينما لا تتم الأمور وفقا لما خططنا له فإننا نرتضي بعض التعديلات الصغيرة لأحلامنا و نستمر بالحياة. فقط عندما نتلقى ضربة صاعقة تصدمنا بشدة فإننا نتوقف و نتساءل بعمق عن معنى الحياة. و على هذا فإنه يمكنني أن أعتبر هذه التجربة الحزينة كأفضل تجربة مرت بي في حياتي.

وبالمثل كانت تجربة وفاة أختي الكبيرة في سن التاسعة عشر من التجارب التي غيرت مجرى حياتي. بعد أن بدأت أختي دراستها الجامعية أصيبت بمرض السرطان و ماتت بعد سنة واحدة من إصابتها بالمرض و كان عمري وقتئذ الثانية عشر. بعد موتها أصبح عندي قناعة راسخة أنه من المستحيل أن أستمتع بأي شيئ في الحياة علما بأنني سأموت إما عاجلا أو آجلا. وبدون أدنى شك هذه الصدمة العصيبة جعلتني أتساءل عن معنى الحياة في مرحلة صغيرة من العمر. ولكنني لم أسعى  فعليا لإيجاد إجابة لهذا التساؤل إلا بعض مضي بضع سنين بدلا من الإنغماس في العادات الإجتماعية التي تملي علينا أن نغتنم اللحظة و نمتع أنفسنا بأي وسيلة لأن الحياة قصيرة. بالتأكيد الحياة قصيرة جدا و لهذا فهي غالية القيمة لتهدرهباء. ولذلك فيجب علينا أن نحاول إيجاد إيجابات لهذه التساؤلات عاجلا وليس آجلا حتى نستطيع أن نستمتع حقا بالحياة وحتى نفهمها و نقدرها و نعتز بقيمتها. و على الرغم من الحزن الهائل الذي أحسست به لفقدي إنسانة أحبها فأنا ما زلت ممتنة لهذا النداء الرباني الذي صدمني ولكن في نفس الوقت أيقظني من غفلتي.

في بادئ سنوات دراستي في الجامعة بدأت في قراءة القرآن مترجما ولم أكن أعرف عن الإسلام إلا بعض القيم المتواهية المتأصلة في المجتمع التركي. ولأني كنت أعاني من حزن موجع جاءت آيات القرآن تحدثني بقوة و رحمة مدهشة جعلت من الصعب علي مقاومة الرسالة الإلاهية. من الممكن تصور أنه في خلال هذه المرحلة كنت على إستعداد أن أتمسك بأي رسالة أجدها كغريق يتعلق بحبل في بحر عاصف ولكن حكايتي مع الإسلام أو دعوني أقول صراعي مع الإسلام لم تنتهي عند هذا الحد ولكنها كانت قد بدأت وبالتأكيد قراءتي للقرآن وشروعي في رحلة البحث عن الذات قد ساعدني خلال هذه الأوقات العصيبة. ولكن حتى الآن أسألتي لم تتوقف. ولقد تعلمت أن هذه الفطرة التي تدعونا للتساؤل هي هبة من الخالق فمن خلالها يهدينا الله إليه و لهذا ففي الكثير من الآيات القرآنية نجد الله يدعونا للتساؤل عن كل شيء.

ولعل القارئ يتساءل الآن ما هو الذي جذبني للإسلام في هذه المرحلة بالإضافة لواقع أنني نشأت في بلد أكثر سكانه مسلمون و أنني تربيت على يد أبوين مسلمين؟ ربما العكس هو الصحيح فلأنني نشأت في بيئة فيها تشوه الإسلام لم يكن هناك شيء يجذبني إليه أو يقنعني به. ولكن بنظرتي الآن الأكثر إستوعابا للحقائق أستطيع القول أن الثقافة التركية هي في معظمها و أصلها أستقت من المباديء  والأخلاق الإسلامية. ولكن بدون علم حقيقي بالإسلام يكون من الصعب تمييز ما هو من الإسلام وما هو من الموروث الحضاري لتركيا قبل العصر الإسلامي أو من التأثير الثقافي الخارجي الغربي وغيره. ولم يكن هناك إلا القلة في هذا الوقت الذين إستطاعوا أن يفسروا لي الحكمة وراء القيم الإسلامية. فنحن في تركيا نعيش صراعا بين ثقافتين:  ثقافة الطنين الإعلامي وثقافة القيم الدينية. ثقافة الطنين الإعلامي تمتصنا بقوة وتؤثر بشدة علينا و لا تجعل إلا لقلة من الآباء القدرة على التأثير على أبنائهم. وبالرغم من أن الله يتحدث إلينا حديثا مستمرا ليهدينا من خلال الأحداث و الناس و الإلهامات إلا أن المؤثرات الأخرى التي لها تأثير على حرية إرادتنا أيضا كثيرة. و لكن بالرغم من وجود هذا التأثير السلبي فإن الله ينظم كوكبة من الأحداث في حياتنا حتى نصبح أكثر إستعدادا للإلتفات إلى رسالته. وكما يقول الله في القرآن الكريم: علينا أن نستعد و نتقبل رسالة الله حتى نبدأ في تغييرقلوبنا لتقبل الحقائق.

“وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” سورة المدثر آية 31

وأخيرا فإن من وجهة نظري أن السبب الأهم في قبولي لرسالة القرآن هو أن الله بعث لي إناسا ركزوا على  أهمية الإيمان و الإخلاص في النية قبل  القيام بالأفعال. لمدة سنين كان هؤلاء الأشخاص يدرسون “رسالة النور” لسعيد نورسي و كانوا يحضرون حلقات دروس لفهم النهج القرآني.

نورسي عالم إسلامي كتب العديد من التوضيحات الغير تقليدية للقرآن في النصف الثاني من القرن العشرين. عادة تفسيرات القرآن التقليدية تأخذ على عاتقها تفسير أية بآية على الترتيب. و لكن في رسالة نورسي نجد تفسيرات مواضيعية معتمدة على الرسالة العامة و الشاملة للقرآن و على النموذج القرآني نفسه وتفسيره يرتكز علي الإيمان و الإخلاص. ولهذا فقد أعجبت إعجابا كبيرا بالرسالة و بدأت أركض لأحضر الدروس حتى أستطيع فهم هذا النص  التفسيري العميق المعنى.

الذي أعجبني وجذبني بشدة في طريقة نورسي للدعوة هو محاولة بناء الإيمان من الصفر و تركيزه على عملية الإدراك و التحقق من خلال التجربة الروحية الذاتية ومن خلال شهود الرابطة الغير قابلة للفض بين الإخلاص و الإيمان و بين الممارسة التطبيقية لهذا الإيمان وتأثير هذا على النفس الإنسانية. معرفة مقومات الإيمان و الإخلاص أصبحت تحدي عقلي وقلبي لي و كنت على أتم إستعداد لتعهده فلقد أدركت حينئذ أنه الطريق الوحيد للوصول للسلام الداخلي و إنهاء حالة تبكيت الحياة التي لم تبد لها نهاية. وأنا على ثقة تامة من أن محض اللذة التي تنال بتذوق النهج والنموذج القرآني هي تجربة روحية تحس بدليل ذاتي داخلي متاح لكل من ينتهج هذا الطريق.

 ولقد إعتدت على كتابة ملاحظاتي أثناء الدروس وأصبحت أكتب بإستمرار مقالات عن قضية الإيمان و الإخلاص. هذا الكتاب هو مجموعة من هذه المقالات التي كنت كتبتها لبعض الصحف و الخطب و المحاضرات والمواقع الإلكترونية. وهي تعكس فهمي للمبادئ الإسلامية و على هذا فهي ليست كتاب موثق عن الإسلام.

دعونا الآن نشرع في هذه الرحلة المغيرة للحياة أو بعبارة أخرى: دعونا نشرع في عملية التحقق و التصديق. ولكن قبل أن نبدأ هناك شيء واحد أود أن أوجه نظر القارئ له ألا و هو أن هناك فرق بين كلمة “مسلم” و كلمة “مؤمن” ( من أسلم نفسه لله بإخلاص ) و هذا الفرق جوهري وهام في رحلتنا هذه. هذا الكتاب هو توضيح لمبدأ الإيمان و التسليم الفعلي لله ليصبح الإنسان مسلما بحق و ليس إسما فقط. الأية التالية أذهلتني عندما قرأتها لأول مرة فهي تشير بوضوح لهذا المعنى وتبين الإختلاف الجوهري بين كون الإنسان مسلما إسما و بين كونه مؤمنا حقيقيا يسلم نفسه لله بإخلاص.

و على إعتبار أن هذا الكتاب المقدس (القرآن) يعلن أنه موجه إلى كل البشر حتى نهاية الوقت فإنه من المؤكد أن هذه الآية موجهة لنا جميعا الآن. عندما أفكر في هذا الأمر على هذا النحو فإن الإختلاف المشار إليه يصبح محيرا للعقل: ما معنى ” أسلم” و ما معنى” آمن”؟ و ما الفرق الجوهري بين الكلمتين الذي جعل الله يريد إرساخ المعنين الحقيقين لهما بذهننا بشكل حاسم كهذا؟

“قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” سورة الحجرات آية 14

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *