Being a Muslim 3

هل نستطيع تجنب أسئلتنا عن ماهية الوجود

أتذكر الآن حديثا دار بيني وبين أقرب أصدقائي في المدرسة الثانوية. كنت عندئذ في حالة يرثى لها لوفاة أختي في سن التاسعة عشرو كنت أتساءل عما تفكر صديقتي عن معنى الحياة أخذا في الإعتبار أننا حتما سوف نموت لاحقا. وقد أدهشتني إجابتها لدرجة أنني لم أجد كلمات تعبر عن مدى الألم  النفسي العميق الذي شعرته. فبكل بساطة أجابت صديقتي “إنني ما ذلت صغيرة السن لأفكر في هذا”. هذا خير مثال على براعتنا في خداع أنفسنا بتجاهل حقيقة الموت في حياتنا.

وبغض النظر عن عمرنا وجنسيتنا وثقافاتنا وديننا ووضعنا الإجتماعي و الإقتصادي فإننا نتساأل عن ماهية الوجود ونرجو أن نجد الإجابة: من أين أتيت؟ من أنا؟ إلى أين سوف أذهب؟  نحن لا نستطيع أن نتجاهل هذه الأسئلة التي بداخلنا. أن الرغبة الشديدة لإيجاد إجابات لهذه الأسئلة هي أعمق من أن تجعلنا ترتضي إجابات سطحية. ومن ناحية أخرى فإن إندفاعنا لتجنب هذه الأسئلة المهمة هونتيجة لمقاومتنا لبحث أعمق عن الإجابة التي تتطلب مواجهة الحقيقة. ولكن في النهاية فإن البحث عن معنى الوجود هوبحث عن السعادة الحقيقية وعن السلام الداخلي وإلا فإن الحياة تصبح بلا وعندئذ لا نستطيع التمتع بأي شئ.

إننا خلقنا بفطرة تبحث عن المعاني. فنحن نبحث عن معنى علاقاتنا و نبحث عن معنى للحياة و نبحث عن معاني الأشياء المادية. ومن المستحيل إدراك السلام الداخلي والإنسجام مع الحياة ومع العالم بدون إشباع هذا الإحتياج للمعنى وإلا فإننا نصبح في حالة عدم إنسجام مع فطرتنا الطبيعية التي خلقنا عليها.

لقد أعطينا قدرات متتعددة كالقدرة القلبية والعقلية والروحية والحكم المنطقي وبدون القدرة القلبية فإننا نصبح كالوحوش الضارية التي تقوم بأفعال وحشية. وبدون قدرة الحكم المنطقي فإننا نسقط في ظلام الجهل و نصبح متعصبين. هؤلاء الذين يطفئون واحدة أو أكثر من قدراتهم لا يستطيعوا أن تحقيق الغرض الأساسي من الحياة. من هنا فإن إنسجامنا مع فطرتنا يتطلب منا أن نشبع كل قدراتنا. إيجاد إيجابات شافية لأسئلتنا عن الوجود وأيجاد معاني في حياتنا تشبع قلوبنا وعقولنا.

الرغبة الأنانية فينا دائما ما تطور خططا لتجاهل أسئلتنا عن الوجود. بعض هذه الخطط التي تحاول أن تصمت صوتنا الداخلي هو تعاطي الخمور أو الإسراف في التسوق أو العمل أو الإستغراق في مشاهدة التلفاز أو وسائل الإعلام الأخرى أو تكريس الإنسان نفسه لأهله أو لنظامه السياسي أو الإجتماعي إلى حد أن يفني الإنسان نفسه فيها. البعض الآخر يخدع نفسه بتصديق أنه ليس هناك إجابات لهذه الأسئلة ومن ثم فليس هناك ضرورة لمحاولة البحث. “نحن كما نحن وهذه هي نهاية المطاف” لكن كل هذه الخطط مصارها إلى الفشل وهي تؤدي إلى عذاب للنفس و أستغراقها في الإكتئاب و الأوهام.

نحن جميعا نبحث عن سلاما أبديا وكل ما نفعله في الحياة هو محاولة للوصول لهذا الهدف فأحيانا نلجأ لممارسة تمرينات اليوجا وأحيانا نلجأ لإنشاء صداقات أو نشترك في طقوس دينية أو نكرس وقتنا لتحقيق طموحنا الوظيفي و بالتأكيد فإننا نجد لحظات مؤقتة من النعيم و لكم من النادر أستمرار هذا الشعور بالسعادة. فمثلا نحن نجتهد لشراء سيارة ذات مركة مشهورة ولكن بعد الحصول عليها فإن الأثارة التي شعرنا بها سرعان ما تختفي و بعدها نحول إنتباهنا لشئ آخربحثا عن السعادة الدائمة و تمر الحياة على هذا المنوال وسرعان ما نشعر بالإرهاق و الحزن من جراء السعي اللانهائي وراء هذا المطلب للسعادة ودائما نشعر بالإحباط وهكذا فإننا نبدد حياتنا بحثا عن شئ لا نستطيع إيجاده.

ولكن دعونا نتساءل ما هو تعريف السعادة؟ هل فعلا فكرنا جيدا في معناها؟ عن ماذا نبحث حقا؟ هل نبحث عن تحقيق أحلامنا و رغبتنا و إحتياجتنا؟ هل هذا هو الهدف من الحياة؟ وهل السعي وراء هذا يحقق لنا السعادة بالفعل؟ أم أن هذه السعادة وقتية؟ أم أننا أحيانا نشعر ببهجة عشوائية سرعان من يعقبها شعور بالحزن؟ إن الحياة عبارة عن منعطفات علوية وسفلية. فمثلا فكر في رحلاتك الشرائية والتراجع الوجداني الذي تشعر به بعد الإنتهاء منها.

و لكن بالرغم أننا لم نشعر بالسعادة البالغة المستمرة فإننا ما زلنا نريد أن نحصل على سعادة أبدية و هذه الرغبة في حد ذاتها هي آية على وجود هذه السعادة الأبدية. وعلى هذا فهل من الممكن الوصول للسلام الداخلي؟ حتى نستطيع الإجابة عن هذا السؤال الجوهري فإنه علينا أن نواجه أسئلتنا عن ماهية وجودنا حتي نعرف من نحن وماذا يجعلنا سعداء حقا. ما يجعلنا حقا سعداء هو ما ينسجم مع فطرتنا وعلى هذا فإن الإجابة تعتمد على صراحتنا مع أنفسنا و مع مشاعرنا و أفكارنا مع إعترافنا أن مصادر السعادة الوقتية لا ترضينا. نحن بإستطاعتنا الشعور بالسلام الوجداني عندما نتقبل حقيقتنا كمخلوقات ونقوم بالعمل من هذا المنطلق.

فمن نحن و لماذا نحن هنا؟ الكثير منا يقضي وقته في قراءة مئات من الكتب ويقضي عمره في الدراسة حتى يحصل على درجة علمية رفيعة و بعضنا يقضي وقته يعمل ليلا ونهارا حتي يرتقي في السلم الوظيفي و لا يتوقف ليتساءل أو ليتفكر في ماهية الوجود و كل هذا بلا قيمة لأننا في نهاية المطاف سوف نموت حيث نجد أنفسنا في هذا العالم الغامض و نشعر أننا متصلين بهذه الأشياء اللانهائية. فنحن نستمتع باليوم المشمس ونبتسم و نشعر بالسعادة عندما نرلى زهرة جميلة. يبدو أن الطبيعة متصلة بنا و نحن على علاقة وطيدة مع كل الخلق. و من المدهش أن مل هذه الأشياء سرعان ما تختفي بالموت ولا تستمر. الزهرة تختفي و الشمس تغرب و الأصدقاء يغادرون وفي النهاية نعرف أننا أيضا سوف نموت. في مل لحظة نتعلق بشئ سوف يموت أو يختفي و مع هذا نرفض التفكير في المعنى العميق لهذه الحقيقة. و لأن الموت حقيقة فأننا لا نستطيع إلا أن نتساءل إلى أين سوف نذهب و ماذا يحدث؟

حقيقة الأمر هذه الأسئلة هي الجوهر الحيوي الذي يقودنا لفهم من نحن.  و من المثير للإهتمام أن هذه الأسئلة هي أسئلة فطرية موجودة في كل منا فسواء كرهنا أم أحببنا ترد هذه الأسئلة في ذهننا طبيعيا. و لكن في أغلب الأحيان نقرر أن نكبت هذه الأسئلة و نعتفد أن هذه الأسئلة الجادة جدا سوف تحرمنا من السعادة. و نحن مخطئين تماما في إعتقادنا أن التفكر في هذه الأمور سوف تهدم عالم الأحلام الذي نعيش فيه برغم أن هذا العالم لا يستطيع تحقيق رغبتنا الملحة في السعادة. فقط عندما يموت إنسان محبوب لدينا أو عندما نواجه حادثة مأساوية فإننا نبدأ في التفكير و السعي وراء إيحاد إجابات شافية عن ماهية الوجود.

نحن كضيوف في بيت غامض ملئ بأشياء تعجبنا و لا نستطيع التمسك بها. لقد أوتي بنا هنا لفترة غير معروفة وعلى حين غرة نؤخد من هنا. وعلى هذا الأساس فإنه من المنطقي و الطبيعي أن نتساءل و نبحث عن إجابة لما يحدث ولماذا يحدث و ما معناه. لماذا أنا هنا ومن أتى بي و إلى أين سوف أؤخذ؟ ولن يمكننا الشعور بالسعادة إلا إذا سعينا لإيجاد إجابات  شافية لهذه الأسئلة بدلا من إسكاتها بالقوة أو قبول إجابات سطحية نتوارثها من آباءنا و ميراثنا الثقافي.

عندما تستيقظ كل صباح هل تعلن و بدون تفكير كم هي جميلة هذه الحياة؟ لو لم تجب بنعم فاعلم أنك تعاني من مشكلة الإنفصال عن الحياة. لماذا هذه الحياة وما معنى كل شئ فيها؟ لماذا علينا أن نعمل ونمر بكثير من الصعوبات فيها؟ هذه الأفكار في حد ذاتها ما هي إلا مفتاح يخلصنا من السلاسل التي سلبتنا حرية إيجاد معنى لوجودنا. إن اللعب المتطورة في هذا العصر تدفعنا لإسكات هذه الأسئلة أو بمعنى أدق تسكت إنسانيتنا. أليست قدرتنا المنطقية هي التي تميزنا عن الحيوانات كما قال كانت؟ ألم يضرخ سقراط من قرون عدة إن حياة بلا تساؤلات هي حياة لا تستحق العيش؟

كل لحظة تمر تموت ولا نستطيع أستدعادتها و لهذا فنحن نحاول التشبث بالذكريات الحلوة و لكن حتى هذه الذكريات سرعان ما تختفي ونشعر بالأسف أننا لا نستطيع أن نعيش هذه اللحظات مرة أخرى. هل هذه الذكريات تغذينا بالحزن؟ عند إدراكنا لهذا نلجأ للتفكير بالمستقبل الذي يبدو غامضا يستعصي على التنبؤ. فنحن لا نعرف ما سيحدث لنا في اللحظة التالية و هذا يؤثر على اللحظة الحالية التي نحيا فيها. كيف أستطيع الإستمتاع بالحياة في هذه اللحظة علما بأنني سوف أموت عاجلا أو آجلا؟ ما قيمة المال والثروة و الصيت والرغبة عندما أموت؟ لا التفكير في الماضي ولا في المستقبل يساعدنا في هذه اللحظة. هل يجب أن تكون الحياة هكذا؟ لو أننا نريد حلا لهذه المعضلة علينا أن نستمر في التساؤل و البحث عن المعنى الحقيقي للحياة. إن الحقيقة و السلام الوجداني لا يمكن إيجاده إلا عندما نجد الله.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *