Being a Muslim 3

هل نستطيع تجنب أسئلتنا عن ماهية الوجود

أتذكر الآن حديثا دار بيني وبين أقرب أصدقائي في المدرسة الثانوية. كنت عندئذ في حالة يرثى لها لوفاة أختي في سن التاسعة عشرو كنت أتساءل عما تفكر صديقتي عن معنى الحياة أخذا في الإعتبار أننا حتما سوف نموت لاحقا. وقد أدهشتني إجابتها لدرجة أنني لم أجد كلمات تعبر عن مدى الألم  النفسي العميق الذي شعرته. فبكل بساطة أجابت صديقتي “إنني ما ذلت صغيرة السن لأفكر في هذا”. هذا خير مثال على براعتنا في خداع أنفسنا بتجاهل حقيقة الموت في حياتنا.

وبغض النظر عن عمرنا وجنسيتنا وثقافاتنا وديننا ووضعنا الإجتماعي و الإقتصادي فإننا نتساأل عن ماهية الوجود ونرجو أن نجد الإجابة: من أين أتيت؟ من أنا؟ إلى أين سوف أذهب؟  نحن لا نستطيع أن نتجاهل هذه الأسئلة التي بداخلنا. أن الرغبة الشديدة لإيجاد إجابات لهذه الأسئلة هي أعمق من أن تجعلنا ترتضي إجابات سطحية. ومن ناحية أخرى فإن إندفاعنا لتجنب هذه الأسئلة المهمة هونتيجة لمقاومتنا لبحث أعمق عن الإجابة التي تتطلب مواجهة الحقيقة. ولكن في النهاية فإن البحث عن معنى الوجود هوبحث عن السعادة الحقيقية وعن السلام الداخلي وإلا فإن الحياة تصبح بلا وعندئذ لا نستطيع التمتع بأي شئ.

إننا خلقنا بفطرة تبحث عن المعاني. فنحن نبحث عن معنى علاقاتنا و نبحث عن معنى للحياة و نبحث عن معاني الأشياء المادية. ومن المستحيل إدراك السلام الداخلي والإنسجام مع الحياة ومع العالم بدون إشباع هذا الإحتياج للمعنى وإلا فإننا نصبح في حالة عدم إنسجام مع فطرتنا الطبيعية التي خلقنا عليها.

لقد أعطينا قدرات متتعددة كالقدرة القلبية والعقلية والروحية والحكم المنطقي وبدون القدرة القلبية فإننا نصبح كالوحوش الضارية التي تقوم بأفعال وحشية. وبدون قدرة الحكم المنطقي فإننا نسقط في ظلام الجهل و نصبح متعصبين. هؤلاء الذين يطفئون واحدة أو أكثر من قدراتهم لا يستطيعوا أن تحقيق الغرض الأساسي من الحياة. من هنا فإن إنسجامنا مع فطرتنا يتطلب منا أن نشبع كل قدراتنا. إيجاد إيجابات شافية لأسئلتنا عن الوجود وأيجاد معاني في حياتنا تشبع قلوبنا وعقولنا.

الرغبة الأنانية فينا دائما ما تطور خططا لتجاهل أسئلتنا عن الوجود. بعض هذه الخطط التي تحاول أن تصمت صوتنا الداخلي هو تعاطي الخمور أو الإسراف في التسوق أو العمل أو الإستغراق في مشاهدة التلفاز أو وسائل الإعلام الأخرى أو تكريس الإنسان نفسه لأهله أو لنظامه السياسي أو الإجتماعي إلى حد أن يفني الإنسان نفسه فيها. البعض الآخر يخدع نفسه بتصديق أنه ليس هناك إجابات لهذه الأسئلة ومن ثم فليس هناك ضرورة لمحاولة البحث. “نحن كما نحن وهذه هي نهاية المطاف” لكن كل هذه الخطط مصارها إلى الفشل وهي تؤدي إلى عذاب للنفس و أستغراقها في الإكتئاب و الأوهام.

نحن جميعا نبحث عن سلاما أبديا وكل ما نفعله في الحياة هو محاولة للوصول لهذا الهدف فأحيانا نلجأ لممارسة تمرينات اليوجا وأحيانا نلجأ لإنشاء صداقات أو نشترك في طقوس دينية أو نكرس وقتنا لتحقيق طموحنا الوظيفي و بالتأكيد فإننا نجد لحظات مؤقتة من النعيم و لكم من النادر أستمرار هذا الشعور بالسعادة. فمثلا نحن نجتهد لشراء سيارة ذات مركة مشهورة ولكن بعد الحصول عليها فإن الأثارة التي شعرنا بها سرعان ما تختفي و بعدها نحول إنتباهنا لشئ آخربحثا عن السعادة الدائمة و تمر الحياة على هذا المنوال وسرعان ما نشعر بالإرهاق و الحزن من جراء السعي اللانهائي وراء هذا المطلب للسعادة ودائما نشعر بالإحباط وهكذا فإننا نبدد حياتنا بحثا عن شئ لا نستطيع إيجاده.

ولكن دعونا نتساءل ما هو تعريف السعادة؟ هل فعلا فكرنا جيدا في معناها؟ عن ماذا نبحث حقا؟ هل نبحث عن تحقيق أحلامنا و رغبتنا و إحتياجتنا؟ هل هذا هو الهدف من الحياة؟ وهل السعي وراء هذا يحقق لنا السعادة بالفعل؟ أم أن هذه السعادة وقتية؟ أم أننا أحيانا نشعر ببهجة عشوائية سرعان من يعقبها شعور بالحزن؟ إن الحياة عبارة عن منعطفات علوية وسفلية. فمثلا فكر في رحلاتك الشرائية والتراجع الوجداني الذي تشعر به بعد الإنتهاء منها.

و لكن بالرغم أننا لم نشعر بالسعادة البالغة المستمرة فإننا ما زلنا نريد أن نحصل على سعادة أبدية و هذه الرغبة في حد ذاتها هي آية على وجود هذه السعادة الأبدية. وعلى هذا فهل من الممكن الوصول للسلام الداخلي؟ حتى نستطيع الإجابة عن هذا السؤال الجوهري فإنه علينا أن نواجه أسئلتنا عن ماهية وجودنا حتي نعرف من نحن وماذا يجعلنا سعداء حقا. ما يجعلنا حقا سعداء هو ما ينسجم مع فطرتنا وعلى هذا فإن الإجابة تعتمد على صراحتنا مع أنفسنا و مع مشاعرنا و أفكارنا مع إعترافنا أن مصادر السعادة الوقتية لا ترضينا. نحن بإستطاعتنا الشعور بالسلام الوجداني عندما نتقبل حقيقتنا كمخلوقات ونقوم بالعمل من هذا المنطلق.

فمن نحن و لماذا نحن هنا؟ الكثير منا يقضي وقته في قراءة مئات من الكتب ويقضي عمره في الدراسة حتى يحصل على درجة علمية رفيعة و بعضنا يقضي وقته يعمل ليلا ونهارا حتي يرتقي في السلم الوظيفي و لا يتوقف ليتساءل أو ليتفكر في ماهية الوجود و كل هذا بلا قيمة لأننا في نهاية المطاف سوف نموت حيث نجد أنفسنا في هذا العالم الغامض و نشعر أننا متصلين بهذه الأشياء اللانهائية. فنحن نستمتع باليوم المشمس ونبتسم و نشعر بالسعادة عندما نرلى زهرة جميلة. يبدو أن الطبيعة متصلة بنا و نحن على علاقة وطيدة مع كل الخلق. و من المدهش أن مل هذه الأشياء سرعان ما تختفي بالموت ولا تستمر. الزهرة تختفي و الشمس تغرب و الأصدقاء يغادرون وفي النهاية نعرف أننا أيضا سوف نموت. في مل لحظة نتعلق بشئ سوف يموت أو يختفي و مع هذا نرفض التفكير في المعنى العميق لهذه الحقيقة. و لأن الموت حقيقة فأننا لا نستطيع إلا أن نتساءل إلى أين سوف نذهب و ماذا يحدث؟

حقيقة الأمر هذه الأسئلة هي الجوهر الحيوي الذي يقودنا لفهم من نحن.  و من المثير للإهتمام أن هذه الأسئلة هي أسئلة فطرية موجودة في كل منا فسواء كرهنا أم أحببنا ترد هذه الأسئلة في ذهننا طبيعيا. و لكن في أغلب الأحيان نقرر أن نكبت هذه الأسئلة و نعتفد أن هذه الأسئلة الجادة جدا سوف تحرمنا من السعادة. و نحن مخطئين تماما في إعتقادنا أن التفكر في هذه الأمور سوف تهدم عالم الأحلام الذي نعيش فيه برغم أن هذا العالم لا يستطيع تحقيق رغبتنا الملحة في السعادة. فقط عندما يموت إنسان محبوب لدينا أو عندما نواجه حادثة مأساوية فإننا نبدأ في التفكير و السعي وراء إيحاد إجابات شافية عن ماهية الوجود.

نحن كضيوف في بيت غامض ملئ بأشياء تعجبنا و لا نستطيع التمسك بها. لقد أوتي بنا هنا لفترة غير معروفة وعلى حين غرة نؤخد من هنا. وعلى هذا الأساس فإنه من المنطقي و الطبيعي أن نتساءل و نبحث عن إجابة لما يحدث ولماذا يحدث و ما معناه. لماذا أنا هنا ومن أتى بي و إلى أين سوف أؤخذ؟ ولن يمكننا الشعور بالسعادة إلا إذا سعينا لإيجاد إجابات  شافية لهذه الأسئلة بدلا من إسكاتها بالقوة أو قبول إجابات سطحية نتوارثها من آباءنا و ميراثنا الثقافي.

عندما تستيقظ كل صباح هل تعلن و بدون تفكير كم هي جميلة هذه الحياة؟ لو لم تجب بنعم فاعلم أنك تعاني من مشكلة الإنفصال عن الحياة. لماذا هذه الحياة وما معنى كل شئ فيها؟ لماذا علينا أن نعمل ونمر بكثير من الصعوبات فيها؟ هذه الأفكار في حد ذاتها ما هي إلا مفتاح يخلصنا من السلاسل التي سلبتنا حرية إيجاد معنى لوجودنا. إن اللعب المتطورة في هذا العصر تدفعنا لإسكات هذه الأسئلة أو بمعنى أدق تسكت إنسانيتنا. أليست قدرتنا المنطقية هي التي تميزنا عن الحيوانات كما قال كانت؟ ألم يضرخ سقراط من قرون عدة إن حياة بلا تساؤلات هي حياة لا تستحق العيش؟

كل لحظة تمر تموت ولا نستطيع أستدعادتها و لهذا فنحن نحاول التشبث بالذكريات الحلوة و لكن حتى هذه الذكريات سرعان ما تختفي ونشعر بالأسف أننا لا نستطيع أن نعيش هذه اللحظات مرة أخرى. هل هذه الذكريات تغذينا بالحزن؟ عند إدراكنا لهذا نلجأ للتفكير بالمستقبل الذي يبدو غامضا يستعصي على التنبؤ. فنحن لا نعرف ما سيحدث لنا في اللحظة التالية و هذا يؤثر على اللحظة الحالية التي نحيا فيها. كيف أستطيع الإستمتاع بالحياة في هذه اللحظة علما بأنني سوف أموت عاجلا أو آجلا؟ ما قيمة المال والثروة و الصيت والرغبة عندما أموت؟ لا التفكير في الماضي ولا في المستقبل يساعدنا في هذه اللحظة. هل يجب أن تكون الحياة هكذا؟ لو أننا نريد حلا لهذه المعضلة علينا أن نستمر في التساؤل و البحث عن المعنى الحقيقي للحياة. إن الحقيقة و السلام الوجداني لا يمكن إيجاده إلا عندما نجد الله.

 

Being a Muslim 2

نظرة عامة عن الإسلام

الإسلام يعني التسليم لله

المسلم هو الشخص الذي يسلم لله

أنا أكون مسلمة حينما أسلم إرادتي لله

في الأصل كل المخلوقات في حالة إستسلام لله و من منطلق هذا المفهوم فإن كل شيء مسلم. فعلى سبيل المثال من الممكن ملاحظة كيف تستسلم الشجرة للقوانين الإلاهية وبقدرة الله تمر بأطوار مختلفة لتفي بالغرض الكامل من خلقها فهي تثمر الثمار التي تحمل الصفات الإلاهية. وليس هناك شجرة بإستطاعتها التمرد على الغرض الذي قدر لها. هذا يعني أن الشجرة ليست لها إختيار إلا أن تستسلم لإرادة الله فيها. و في القرآن الكريم الله سبحانه و تعالى يسأل الناس ألا يعتقدوا في شيء إعتقادا عميانيا فيجب عليهم أن يشهدوا الحقيقة بأنفسهم من خلال القدرات التي و هبها الله لهم لهذا الغرض: كالعينين و العقل والقدرات الأخرى فعلى سبيل المثال الله سبحانه و تعالى يقول في القرآن الكريم:

الإيمان في القرآن يعني اليقين ومطلق اليقين يكون يالشهود. الإيمان يعني أن تشهد أنه ليس هناك قوة لشخص أو لشيء ولكن القوة جميعا لله فلله وحده القدرة على الخلق و الرزق. الإيمان يعني الشهود و التأكد أن الله و حده هو الخالق المطلق. هذا هو معنى الشهادة في الإسلام أن لا إله إلا الله:

ليس هناك أحق بالعبودية إلا الله

ليس هناك رزاق غير الله

ليس هناك شافي إلا الله

ليس هناك رحمن إلا الله

ما معنى كوننا آية الوجود الإلاهي والقدرة الإلاهية؟

حتى نفهم هذا علينا أن نتفكر بعمق عن حقيقة جوهرنا. هل نحن مصدر القوة؟ هل نحن مصدر الرزق؟ هل نملك أجسادنا فمثلا هل كان لنا إختيار في تحديد جنسنا أو جنسيتنا أو لون بشرتنا أو شكل أنفنا ؟ دعونا نقوم بتجربة تكشف لنا حقيقة عجزنا وإحتياجنا: عندما يحرك أي منا يده هل يعرف كيف تتحرك؟ هل هو من يحركها ؟ أو أنه فقط عندما يريد الشخص تحريك يده فإنها تتحرك؟ حتى لو أتيح لنا إتقان ميكانكية الحركة في العضلات و إنتقال النيرونات العصبية فإننا لسنا من وضعها في الأصل لتستعمل لحركة الأعضاء.  ويصبح السؤال الآن : من الذي يحركها؟ في العادة ندعي أن الخلايا العصبية و العضلات هي المسببة للحركة  و لكن في الحقيقة هذه ليست بإجابة صحيحة بل هي مجرد  وصف لسلسلة من التشريح الميكانيكي الذي يحدث أثناء الحركة.

القرآن الكريم يضعنا في مواجهة مباشرة مع حقيقتنا حتى يمدنا بالإجابة الشافية. كل ما نملك هو إرادة جزئية التي من خلالها نشعر بالرغبة في تحريك اليد. الله خلق الحركة لأنه القادر و لأن القوة جميعا له. هذا ليس رفض للحقائق العلمية و لكنه توضيح أن الله هو الذي خلق الخلايا العصبية و العضلات و التفاعل الكيميائي المسبب للحركة. فبالتأكيد خلايانا بجزيئاتها وذراتها لا تملك العلم لتنفيذ هذه الوظائف المركبة.

الله سبحانه و تعالى أوحى في القرآن الكريم أن الإسلام بمعني الإستسلام للحقيقة والتسليم للخالق هو الرسالة الربانية الخاتمة والشاملة و التي أعلنت من خلال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو الطريق المستقيم الموثوق به و الذي يؤدي للقاء الخالق. إن الهدف من التسليم لله والنتيجة الحتمية لهذا هو أن يعيش الإنسان و كأنه يرى الله و أن يعمل كل شيء في سبيله. و على هذا الأساس فليس هناك إنفصال بين الدين وبين  مماراسات الحياة اليومية حيث أن التسليم يعني إدراك أن الله حاضر في كل ثانية.

إن الإسلام يحتوي على الرسالة الخالدة من الخالق للبشر كما أوجزها القرآن الكريم وأحاديث الرسول محمد صلى الله عليه و سلم و أحاديث جميع الرسل صلى الله عليهم جميعا الذين عاشوا وفقا للرسالة الإلاهية. الإيمان نجب أن يترجم إلى أعمال. وعلى هذا فإن الأعمال التي لا ترتكز على الإخلاص و الإيمان الذي لا يترجم إلى أعمال لا تهدي إلى الهدف المطلوب منها و هو أن تقربنا لله تعالى. الإسلام يربط الإيمان بالعمل ويرسخ الرابطة بين الإخلاص و الأفعال في هذه الحياة.

في الكتب المقدسة الله يوجه خطابه للناس جميعا و يحثنا على فعل ما هو خير في هذه الحياة الدنيا و في الآخرة من خلال التوجيه الحكيم لإرادتنا الحرة ويعدنا بتحقيق السلام النفسي في هذه الحياة الدنيا و في الآخرة إذا  قمنا بتلبية هذا النداء.

إن الخالق الحكيم الذي يعلم ما هو خير لمخلوقاته يهدي للطريق الحق وللعمل الصالح. و لأن الخالق هو الأكثر علما بمخلوقاته فإن الهدي الإلاهي هو الأكثر ملاءمة لطبيعة الإنسان و التي تأخذ في الإعتبار نزعات الإنسان وقدراته. الهدي الإلاهي المنزل في الكتب المقدسة هو القادر على مساعدتنا حتى نحقق الغرض  الإلاهي من الخلق. فمثلا إذا إشترينا عصار (خلاط) فائق التقنية فأنه يجب علينا قراءة كتيب الإستعمال بدقة حتى نحصل على أفضل نتيجة مرجوة منه و حتى لا نصيب الجهاز بالعطل. فإذا حذرنا الكتيب أن علينا عدم إستعمال الجهاز لعصر الموز مثلا وقررنا نحن ألا نطيع هذا التحذير فمن الحتمي أننا سوف نصيب الجهاز بالعطل. و بالمثل الله هو الخالق و المالك لهذه الآلة: النفس و الجسد الإنساني و لهذا فهو يعلم كيفية تشغيل هذه الآلة ولهذا فقد أمدنا بكتيب التشغيل. ومن هذا المنطلق فإن رسالة الله التي أنزلها في الكتب المقدسة هي رسالة عالمية و خالدة وهي ليست متغيرة بتغير الزمن و الأماكن.

من المهم إدراك أن الله تعالى أمدنا بكتاب الهدي لأنه يحبنا وهو رحيم بنا. دعونا نلقي مثال آخر أكثر توضيحا لهذا المعنى: حينما يمدنا معلمنا بمنهج  معين و كتاب مفسر لما يجب علينا معرفته وتعلمه فإن هذا يساعدنا على التعلم و تحصيل ما أراد معلمنا أن نتعلمه. و بالمثل لأن الله سبحانه وتعالى رحيم بنا و لأن رحمته بنا خالدة لم يتركنا بدون كتاب يهدينا و يساعدنا لتحصيل السعادة و الفلاح في الدنيا و الآخرة. و على هذا فإذا إتبعنا هدي خالقنا بوركنا بالسلام في هذه الحياة و عشنا في النعيم الأبدي.

وعندما نعيش حياة الإسلام هذه فأنه يمكننا الإستمتاع بالنعم الحلال في هذا العالم من خلال تركزنا على رضاء الله. إذا أصبحنا مدركين لرسالة الله و أصبحت ممارستنا مطابقة لإرادته فإننا سوف نحصل على حرية حقيقية تحررنا من عبوديتنا لأي شيء آخر دون الله وعندئذ تصبح عبادتنا خالصة لله وحده. و حينئذ نحب جميع المخلوقات حبا لخالقها.

والآن دعونا نتصفح كيف يجيب القرآن الكريم على أسئلتنا عن الوجود:

من أين  أتيت و من أمر أن آتي إلى هذا العالم؟

وما هي الأدلة و البراهين العقلية على صحة الإجابة التي يمدنا بها القرآن؟

ولماذا أنا هنا؟

وإلي أين أنا ذاهبة؟

طبقا للقرآن الكريم الغرض من الخلق أن نتعرف على الخالق و نحبه و نعبده. فلو لم نعرف الله كيف يتأتى لنا حبه؟ العلم بوجود الله يأتي من خلال التجارب الفعلية. فهذا العلم لا يتأتى من خلال  معلومات نسمعها و نحفظها. الله يعرفنا بوجوده من خلال الخلق و من خلال وحيه و من خلال كل شيء يظهره لنا كآية تدل على صفاته الإلاهية الأسماء الحسنى التي تبرهن على الكمال الإلاهي. وبالتأكيد إن الغرض من الخلق هو  أن نعرف الخالق.

التفكر هي الخلق يقودنا للإعتراف بجلال الخالق و تلهمنا بالرغبة في عبادته. و على هذا فإن عبادة الخالق و عبوديتنا له هي الطريق لمعرفته هي هذه الحياة. العبادة و العبودية لا يتبعا المعرفة و لكنهما الطريق لمعرفة الله. فهذه الحياة ما هي إلا رحلة مليئة بالتجارب التي نستقبل من خلالها الخطابات الإلاهية التي تقودنا لمعرفته. و كلما زادت معرفتنا به زاد حبنا له. وكلما زادت معرفتنا به وزاد حبنا له فإن هذه الرحلة تصبح مثيرة وذات معنى.

طبقا للقرآن الكريم كل الكائنات ما هي إلا آيات أو خطابات من الخالق وقد كتبت أو خلقت لتفسير معنى الخالق من خلال هذه الرموز. وبمفهوم آخر كل الكائنات تعكس صفات الخالق. فمثلا من خلال تجربتنا مع الصحة و المرض نتعرف على الشافي و من خلال الجوع و الأكل نتعرف على الرزاق و من خلال التجارب المؤلمة نتعرف على الرحيم و من خلال أفعالنا الخاطئة نتعرف على الغفور و من خلال تجربتنا مع الضعف نتعرف على القوي. فإذا نظرنا لكل شئ من منطلق هذا المفهوم فإن الحياة تصبح مغامرة ممتعة وشيقة لبحث عن الأحد سبحانه و تعالى. فعندها يصبح كل شئ و كل حدث خطاب خاص من الخالق لنا و هدية غالية من الحبيب الذي خلقنا لمعرفته و حبه و عبادته.

ومن هذا المنطلق تصبح كل الإنفعالات و الأسباب أدوات يمدنا الله بها حتى يتيح لنا الفرصة للتفكر في الكون حتي نشهد حقيقة الوحي الإلاهي و الصفات الإلاهية التي يظهرها من خلال الخلق.

العلوم المختلفة تبحث أيضا عن سر الخلق لتعطي إجابات عامة تفسر أو تصف ما يحدث في الكون و مفاهيم القرآن لا تتعارض أبدا مع نتائج هذه البحوث العلمية. فعل العكس نجد المفاهيم القرآنية تفوق و تسبق نتائج العلوم الطبيعية و التي تنسجم مع الغرض التي خلقت من أجله. فهذه العلوم أيضا ما هي إلا خطابات تكشف عن الخالق و تساعدنا حتى نتعرف على خالقنا.

و من ناحية أخرى نجد الفلسفة المادية والعلوم الوضعية تنظر بعين معيارية مادية و ترجع القدرة و الإرادة و العقل للأشياء المادية في حد ذاتها. و نتيجة لهذه النظرة المادية تصبح الحياة كصراع بين الذئاب و فكرة “الحياة للأصلح” هي المبدأ المروج له. و لكن القرآن يعلمنا أن القوة جميعها لله و حده.

وجهة النظر القرآنية لا تتناقض إطلاقا مع العلم في مطلقه و مفهومه الشامل الذي يدعونا للبحث و لفهم الطريقة و النظام الذي يسير عليه الكون. و لكم في المقابل القرآن أيضا يعرض تصور يربط مل هذه العلوم الطبيعية مع الغرض الألاهي المراد منها فهو يعرضها كخطابات إلاهية من الله يعلمنا فيه عن نفسه.

و من هذا المفهوم فإن النظرة القرآنية تتعارض مع الفلسفة المادية و العلوم الوضعية و التي ترجع القدرات للأشياء المادية ذاتها و ليس لخالقها. فعلى سبيل المثال نجد الفلسفة المادية ترجع قدرة التركيب الضوئي إلى ورقة الشجر نفسها.

في العديد من الآيات نجذ القرآن يحثنا على التفقه في الكون فالكون كله ما هو إلا تجسيد حي للمبادئ القرآنية حيث أن كل من القرأن و الكون كتبا بيد كاتب واحد وعلى هذا فلا يوجد تناقض بين القوانين القرآنية و بين الكون المادي. و هكذا عندما نتفكر في الكون من هذه المفهوم فأن كل شئ فيه من أصغر نملة لأعظم مجرة يصبح أداة تساعدنا على معرفة الله و تدعونا لحبه و لفهم حقيقة الكون و الغرض منه و من خلق البشر. الخلق كله برهان على الوجود الإلاهي و على وحدة الإله و هي دليل على صدق الأنبياء و الكتب المنزلة و على و جود الملائكة و على البعث و كل هذه الأدلة من الممكن إستنباطها من التفكر في الكون. شكرا لله ليس هناك أشياء علينا أن نصدقها بدون برهان مجرد أو منفصل عن الحياة وعن الحقيقة.

من المهم توضيح معنى العبادة والطقوس المنصوص عليها في الإسلام: العبادة لا تعني الإستمرار في الصلاة و الإعتكاف في المساجد و دور العبادة و لكن على العكس كل العبادات و الطقوس الإسلامية علينا ممارستها في حياتنا اليومية. الغرض من العبادات أن يصبح الإنسان واعيا بالوجود الإلاهي في حياته اليومية. و من هذا المنطلق يصبح كل شئ كلأكل والشرب و النوم و المشي و العمل و الدراسة و ممارسة الرياضة و حتى العلاقات المادية عبادات إذا فعلها الإنسان في سبيل الله و طبقا للحدود الذي نص عليها الله.

فعلى سبيل المثال إذا تفكرنا في الله أثناء تناولنا للطعام و التمتع بخيراته و إذا زادنا هذا التفكر تقديرا وشكرا له على هذا الرزق  الذي يقوي أجسادنا فإن تناول الطعام يصبح عبادة. و على العكس من هذا لو تناولنا الطعام لأنه إحتياج جسدي مع إعتقادنا أن المال الذي جمعناه هو المصدر الآمن للطعام فأننا في هذه الحالة في حالة إنعدام عقائدي لإفتقادنا الفرصة المتاحة أمامنا لمعرفة الخالق وعبادته.هذا مثال واحد يوضح لنا عملية الفصل بين الدين و الحياة في مسارنا الإسلامي.

الله سبحانه وتعالى أمرنا بممارسات معينة للعبادة حتى يذكرنا بأنه خالقنا وحتى يذكرنا بالغرض الأساسي من حياتنا بالإضافة لتربية النفس الأمارة. فمثلا يجب على المسلم أن يصلي خمس مرات في اليوم والصلاة تتطلب خمس لعشر دقائق وهذه الصلوات موزعة الأوقات على مدار اليوم حتى تساعدنا على التفكر في الله وحتى لا يشتتنا العالم الدنيوي. فإذا أصبح الإنسان واعيا بالوجود الإلاهي أصبحت مل أعماله اليومية عبادة مستمرة. وعلى هذا فإن الصلوات الخمسة اليومية هي من أكثرالحظات إستمتاعا للمسلم الواعي لأنها لحظات إمتنان تتيح لنا الفرصة لنحمد الله. إنها فرصة للتجرد من حدود الزمان و المكان و من كل الحدود الأخرى للتفكر العميق في الله حتى نستطيع التغلب على صراعاتنا وحتى نستطيع تطهير قلوبنا و هي فرصة تتيح لنا إعلان عبادتنا له مرة تلو المرة و تتيح لنا طلب العون منه وحده حتى نحيى حياة ذات معنى.

 

Being a Muslim 1

تقديم

ما زلت أتذكر أول مقابلة لي مع إسين سليك في الكلية. كانت بعد عدة سنين من الهجوم الإرهابي الذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر. هذا الحدث المأساوي أثار مشاعر وإنفعالات متعددة في الطلاب و الكثيرون توقعوا حدوث صدع في العلاقة بين الطلاب المسلمين و بين الطلاب المنتمين للأديان الأخرى. وفي إطار رأب الصدع و تعزيز الحوار بين الأديان شكلت مجموعة من الطلبة المسلمين و الكاثوليكيين إجتماعات للحوار. و لقد بدأنا أولا بمقابلات دورية منتظمة للتعرف على عقائد كل منا و تجربتنا الشخصية مع الإله الذي نعبده جميعا.

و لما دعيت لهذه الجماعة لم يكن عندي أي معلومات موضوعية عن الإسلام و لهذا لم يكن عندي أي توقعات مسبقة عما سوف أتعلمه. و لهذا فقد دهشت حال تحققي من وجود تشابه بين الفكر الإسلامي و الفكر الكاثوليكي. إنه لحق شيء جليل أن هناك الكثير من المسلمين و الكاثوليكيين حول العالم يعبدون إله واحد و أن وصفهم له متشابه لحد كبير رغم و جود بعض الإختلافات. و قد تأثرت تأثرا عميقا بالحب و الإخلاص و التواضع الذي أظهره زملائي الطلاب المسلمين خلال ممارساتهم للعبادات الإسلامية.

ومن ضمن من تعرفت عليهم عن قرب من خلال هذه المجموعة التي ضمت أشخاص من عدة أديان كانت إسين. و قد جذبني فكرها المنطقي العقلاني و بهجتها بعلاقتها مع خالقها. وقد تقابلت معها كثيرا لتبادل الحديث أثناء شربنا للشاي و كل مرة كنت أنصرف مقتنعا أن الله كشف لي عن بعض الحقائق المهمة من خلال محادثتنا.

و لهذا فقراءة هذا الكتاب بمثابة الجلوس مع إسين حول براد من الشاي. إن كتابها هذا يندرج تحت مصنف خاص به وحده لأنه ليس تلخيص أكاديمي للفكر الإسلامي و ليس محاولة لأسلمة الآخرين. فبدلا من هذا نجد إسين تشارك جواهر الحكم التي إستخرجتها من التقاليد الإسلامية مع القراء بغض النظر عن خلفياتهم المختلفة.

و أملي ألا يركز القراء علي الإختلافات الفكرية بين عقيدتهم و بين العقيدة الإسلامية فمن الأفضل أن يفتحوا قلوبهم للرسالة العالمية لهذا الكتاب ألا و هي رسالة الحب و التسليم لله.

كارل  كورادو

إنديانا بوليس في أغسطس 2010

الفصل الأول

مقدمة

“عندما أصبحت مسلما تعلمت كيف أصلي كمسلم. تعلمت الرطانة العربية ولكنني لم أتعلم كيف أفكر و كيف أشعر كمسلم حقيقي. و كنت أعتقد أنه حدث لي تحول عملي منذ أربع سنوات حينما إعتنقت الإسلام و لكني تحققت أثناء إعتكافي أن هذا لم يحدث جزريا و أنني ما زلت أفكر بالعقل العلماني الذي إعتدت عليه. فليس معنى أن أكون مسلما أن أتعرب أو أن أتعلم الطقوس الذي يجب علي فعلها و ما لا يجب علي فعله……” إليجا راينولد من جامعة إنديانا.

لست كإليجا أعتنقت الإسلام لاحقا و لكني ولدت لأسرة مسلمة بتركيا و كنت المولودة الرابعة لأبواي. وقد سعى والدي لتربيتنا على القيم التي ترتكز على مورث الثقافة التركية ومتطلبات طبقتهم الإجتماعية و في بعض الأحيان ترتكزأيضا على الدين.

و لكن هذا الحرص على غرس الإسلام في أطفالهم كان في كثير من الأحيان يتضاءل في الأهمية بالمقارنة بإهتمامهم بأي مدرسة سنلتحق و أي لغات سوف نتعلم. و أتذكر الآن مناقشة دارت بيني و بين أمي حول منعي من مواعدة أصدقاء من الجنس الآخر عندما كنت في المدرسة الإعدادية بالرغم أن إخوتي الذكور كان مسموحا لهم بمواعدة البنات كيفما شاءوا. وجاءت إجابة أمي غير شافية و محبطة: إن مجتمعنا يتقبل فكرة أن يصادق الرجل ولا يؤثر هذا على سمعته و لكن إذا قامت البنت بمواعدة رجل فإن هذا يسيء إلى سمعتها بين الناس. و للقارئ أن يتخيل كيف أن هذا المبرر يبدو غير منطقي بالمرة لفتاة في الثلاثة عشرة من عمرها. ولهذا فمن المؤكد أنه لم يكن يمر وقت طويل حتى أستطيع دحض أي مبرر يعطيه أبواي أثناء المناقشات يرتكز على العادات الإجتماعية التي كانوا يتمنون أن أحافظ عليها. و على هذا فقد يئسوا أخيرا وفرضت أنا إرادتي الفردية ضد هشاشة موروثهم الثقافي.  لقد كنت وقتئذ من السذاجة لأشعر بلإنتصار على إرادة والداي و حسن نواياهم و جهودهم لمنعي من الغرق. من جهاتهم كانوا يفعلون ما بوسعهم لفعل ما يعتقدون أنه الصواب طبقا لميراثهم الثقافي ووالوضع المتردي لمجتمعنا.

وعلى غير المتوقع بعد سنوات عدة إستطعت إكتشاف الحقائق التي أحتجبت خلف هذه العادات الإجتماعية عندما كنت في ولاية بنسلفانيا. حدث هذا حينما كنت أدرس في كلية الآداب عندما كنت أمر بمرحلة حقيقية للبحث عن ذاتي بدلا من محاولة فهمهم هم وتقاليدهم. هذا لانه فقط عندما تصبح كالسمكة خارج الشبكة فإنك تصبح على إستعداد للتفكر في ذاتك و ماذا تعني الشبكة لك. فبعد سنوات من البحث عما يحقق لي السعادة الداخلية حدث لي نوع من التجلي الداخلي للحقائق. لا لم يحدث هذا في المنام و لو كان حدث لكان أقل إلاما عما حدث بالفعل. حدث لي هذا التجلي أتناء تجربة شعورية مؤلمة جدا لأي أنسان في مرحلة المراهقة. كانت تجربة محطمة للقلب عندما فجأة تحطم عالمي المتخيل ووجدت نفسي لأول مرة أبحث عن الله. في الواقع لم أعني أن أبحث عن الله بالفعل و لكني كنت أبحث عن معنى ما أو عن شيء ما من الممكن أن يمحوا الألم الذي أصطحب فقداني للشعورالفقاعي الباطل بالأمان في الحياة فلم أكن بعد تحققت أنه ليس هناك أي ضمان لتحقيق أي خطة نضعها لأنفسنا. و رغم هذه الحقيقة فإننا عادة ما نقنع أنفسنا أن مخططنا سوف يتحقق. وحينما لا تتم الأمور وفقا لما خططنا له فإننا نرتضي بعض التعديلات الصغيرة لأحلامنا و نستمر بالحياة. فقط عندما نتلقى ضربة صاعقة تصدمنا بشدة فإننا نتوقف و نتساءل بعمق عن معنى الحياة. و على هذا فإنه يمكنني أن أعتبر هذه التجربة الحزينة كأفضل تجربة مرت بي في حياتي.

وبالمثل كانت تجربة وفاة أختي الكبيرة في سن التاسعة عشر من التجارب التي غيرت مجرى حياتي. بعد أن بدأت أختي دراستها الجامعية أصيبت بمرض السرطان و ماتت بعد سنة واحدة من إصابتها بالمرض و كان عمري وقتئذ الثانية عشر. بعد موتها أصبح عندي قناعة راسخة أنه من المستحيل أن أستمتع بأي شيئ في الحياة علما بأنني سأموت إما عاجلا أو آجلا. وبدون أدنى شك هذه الصدمة العصيبة جعلتني أتساءل عن معنى الحياة في مرحلة صغيرة من العمر. ولكنني لم أسعى  فعليا لإيجاد إجابة لهذا التساؤل إلا بعض مضي بضع سنين بدلا من الإنغماس في العادات الإجتماعية التي تملي علينا أن نغتنم اللحظة و نمتع أنفسنا بأي وسيلة لأن الحياة قصيرة. بالتأكيد الحياة قصيرة جدا و لهذا فهي غالية القيمة لتهدرهباء. ولذلك فيجب علينا أن نحاول إيجاد إيجابات لهذه التساؤلات عاجلا وليس آجلا حتى نستطيع أن نستمتع حقا بالحياة وحتى نفهمها و نقدرها و نعتز بقيمتها. و على الرغم من الحزن الهائل الذي أحسست به لفقدي إنسانة أحبها فأنا ما زلت ممتنة لهذا النداء الرباني الذي صدمني ولكن في نفس الوقت أيقظني من غفلتي.

في بادئ سنوات دراستي في الجامعة بدأت في قراءة القرآن مترجما ولم أكن أعرف عن الإسلام إلا بعض القيم المتواهية المتأصلة في المجتمع التركي. ولأني كنت أعاني من حزن موجع جاءت آيات القرآن تحدثني بقوة و رحمة مدهشة جعلت من الصعب علي مقاومة الرسالة الإلاهية. من الممكن تصور أنه في خلال هذه المرحلة كنت على إستعداد أن أتمسك بأي رسالة أجدها كغريق يتعلق بحبل في بحر عاصف ولكن حكايتي مع الإسلام أو دعوني أقول صراعي مع الإسلام لم تنتهي عند هذا الحد ولكنها كانت قد بدأت وبالتأكيد قراءتي للقرآن وشروعي في رحلة البحث عن الذات قد ساعدني خلال هذه الأوقات العصيبة. ولكن حتى الآن أسألتي لم تتوقف. ولقد تعلمت أن هذه الفطرة التي تدعونا للتساؤل هي هبة من الخالق فمن خلالها يهدينا الله إليه و لهذا ففي الكثير من الآيات القرآنية نجد الله يدعونا للتساؤل عن كل شيء.

ولعل القارئ يتساءل الآن ما هو الذي جذبني للإسلام في هذه المرحلة بالإضافة لواقع أنني نشأت في بلد أكثر سكانه مسلمون و أنني تربيت على يد أبوين مسلمين؟ ربما العكس هو الصحيح فلأنني نشأت في بيئة فيها تشوه الإسلام لم يكن هناك شيء يجذبني إليه أو يقنعني به. ولكن بنظرتي الآن الأكثر إستوعابا للحقائق أستطيع القول أن الثقافة التركية هي في معظمها و أصلها أستقت من المباديء  والأخلاق الإسلامية. ولكن بدون علم حقيقي بالإسلام يكون من الصعب تمييز ما هو من الإسلام وما هو من الموروث الحضاري لتركيا قبل العصر الإسلامي أو من التأثير الثقافي الخارجي الغربي وغيره. ولم يكن هناك إلا القلة في هذا الوقت الذين إستطاعوا أن يفسروا لي الحكمة وراء القيم الإسلامية. فنحن في تركيا نعيش صراعا بين ثقافتين:  ثقافة الطنين الإعلامي وثقافة القيم الدينية. ثقافة الطنين الإعلامي تمتصنا بقوة وتؤثر بشدة علينا و لا تجعل إلا لقلة من الآباء القدرة على التأثير على أبنائهم. وبالرغم من أن الله يتحدث إلينا حديثا مستمرا ليهدينا من خلال الأحداث و الناس و الإلهامات إلا أن المؤثرات الأخرى التي لها تأثير على حرية إرادتنا أيضا كثيرة. و لكن بالرغم من وجود هذا التأثير السلبي فإن الله ينظم كوكبة من الأحداث في حياتنا حتى نصبح أكثر إستعدادا للإلتفات إلى رسالته. وكما يقول الله في القرآن الكريم: علينا أن نستعد و نتقبل رسالة الله حتى نبدأ في تغييرقلوبنا لتقبل الحقائق.

“وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ” سورة المدثر آية 31

وأخيرا فإن من وجهة نظري أن السبب الأهم في قبولي لرسالة القرآن هو أن الله بعث لي إناسا ركزوا على  أهمية الإيمان و الإخلاص في النية قبل  القيام بالأفعال. لمدة سنين كان هؤلاء الأشخاص يدرسون “رسالة النور” لسعيد نورسي و كانوا يحضرون حلقات دروس لفهم النهج القرآني.

نورسي عالم إسلامي كتب العديد من التوضيحات الغير تقليدية للقرآن في النصف الثاني من القرن العشرين. عادة تفسيرات القرآن التقليدية تأخذ على عاتقها تفسير أية بآية على الترتيب. و لكن في رسالة نورسي نجد تفسيرات مواضيعية معتمدة على الرسالة العامة و الشاملة للقرآن و على النموذج القرآني نفسه وتفسيره يرتكز علي الإيمان و الإخلاص. ولهذا فقد أعجبت إعجابا كبيرا بالرسالة و بدأت أركض لأحضر الدروس حتى أستطيع فهم هذا النص  التفسيري العميق المعنى.

الذي أعجبني وجذبني بشدة في طريقة نورسي للدعوة هو محاولة بناء الإيمان من الصفر و تركيزه على عملية الإدراك و التحقق من خلال التجربة الروحية الذاتية ومن خلال شهود الرابطة الغير قابلة للفض بين الإخلاص و الإيمان و بين الممارسة التطبيقية لهذا الإيمان وتأثير هذا على النفس الإنسانية. معرفة مقومات الإيمان و الإخلاص أصبحت تحدي عقلي وقلبي لي و كنت على أتم إستعداد لتعهده فلقد أدركت حينئذ أنه الطريق الوحيد للوصول للسلام الداخلي و إنهاء حالة تبكيت الحياة التي لم تبد لها نهاية. وأنا على ثقة تامة من أن محض اللذة التي تنال بتذوق النهج والنموذج القرآني هي تجربة روحية تحس بدليل ذاتي داخلي متاح لكل من ينتهج هذا الطريق.

 ولقد إعتدت على كتابة ملاحظاتي أثناء الدروس وأصبحت أكتب بإستمرار مقالات عن قضية الإيمان و الإخلاص. هذا الكتاب هو مجموعة من هذه المقالات التي كنت كتبتها لبعض الصحف و الخطب و المحاضرات والمواقع الإلكترونية. وهي تعكس فهمي للمبادئ الإسلامية و على هذا فهي ليست كتاب موثق عن الإسلام.

دعونا الآن نشرع في هذه الرحلة المغيرة للحياة أو بعبارة أخرى: دعونا نشرع في عملية التحقق و التصديق. ولكن قبل أن نبدأ هناك شيء واحد أود أن أوجه نظر القارئ له ألا و هو أن هناك فرق بين كلمة “مسلم” و كلمة “مؤمن” ( من أسلم نفسه لله بإخلاص ) و هذا الفرق جوهري وهام في رحلتنا هذه. هذا الكتاب هو توضيح لمبدأ الإيمان و التسليم الفعلي لله ليصبح الإنسان مسلما بحق و ليس إسما فقط. الأية التالية أذهلتني عندما قرأتها لأول مرة فهي تشير بوضوح لهذا المعنى وتبين الإختلاف الجوهري بين كون الإنسان مسلما إسما و بين كونه مؤمنا حقيقيا يسلم نفسه لله بإخلاص.

و على إعتبار أن هذا الكتاب المقدس (القرآن) يعلن أنه موجه إلى كل البشر حتى نهاية الوقت فإنه من المؤكد أن هذه الآية موجهة لنا جميعا الآن. عندما أفكر في هذا الأمر على هذا النحو فإن الإختلاف المشار إليه يصبح محيرا للعقل: ما معنى ” أسلم” و ما معنى” آمن”؟ و ما الفرق الجوهري بين الكلمتين الذي جعل الله يريد إرساخ المعنين الحقيقين لهما بذهننا بشكل حاسم كهذا؟

“قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” سورة الحجرات آية 14